الصالحي الشامي
396
سبل الهدى والرشاد
الباب السادس في سبب نزول سورة الإخلاص روى أبو الشيخ في العظمة عن أنس بن مالك ، وابن أبي حاتم ، وابن عدي ، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس والطبراني في السنة عن الضحاك ، وابن جرير ، وابن المنذر عن قتادة ، أن رهطا من اليهود منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب ، جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : " يا محمد ، هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله " ؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتقع لونه ، ثم ساورهم غضبا لربه ، فجاء جبريل فسكنه وقال : " خفض عليك يا محمد " ، وجاءه من الله عز وجل بجواب ما سألوه ( عنه ) فأنزل الله تعالى ( قل هو الله أحد ) ( الإخلاص 1 ) ( 1 ) ، أصل أحد هنا واحد ، لأنه بمعنى الواحد ، قلبت الواو همزة ، وهو دال على جميع صفات الجلال ، كما دل الله على جميع صفات الكمال ، إد الواحد القيقي ، ما يكون منزه الذات عن اتحاد التركيب والتعدد ، وما يستلزمه أحدهما كالجسمية والتحيز ( الله الصمد ) : المقصود في الحوائج على الدوام ، أو هو الذي قد انتهى في سؤدده ، فيصمد الناس إليه في حوائجهم ، والخلائق يفترون إلى رحمته ، أو هو من لا جوف له ، أو هو الكامل في جميع صفاته ، أو الذي لا يطعم ولا يخرج منه شئ أو الباقي بعد فناء خلقه ، والله تعالى هو الموصوف بهذا على الإطلاق ، فإنه مستغن عن غيره مطلقا ، وكل ما عداه يحتاج إليه في جميع جهاته ، وتعريفه بصمديته بخلاف أحديته . وتكرر الاسم الكريم للإشعار بأنه من لم يتصف به
--> ( 1 ) قال الرازي : في سبب نزولها وفيه وجوه : الأول : أنها نزلت بسبب سؤال المشركين ، قال الضحاك : إن المشركين أرسلوا عامر بن الطفيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : شققت عصانا وسبب آلهتنا ، وخالفت دين آبائك ، فإن كنت فقيرا أغنياك ، وإن كنت مجنونا داويناك ، وإن هويت امرأة زوجناكها ، فقال عليه الصلاة والسلام : " لست بفقير ، ولا مجنون ، ولا هويت امرأة ، أنا رسول الله أدعوكم من عبادة الأصنام إلى عبادته " ، فأرسلوه ثانية وقالوا : قل له بين لنا جنس معبدوك ، أمن ذهب أو فضة ، فأنزل الله هذه السورة ، فقالوا له : ثلاثمائة وستون صنما لا تقوم بحوائجنا ، فكيف يقوم الواحد بحوائج الخلق ؟ فنزلت : ( والصافات ) ( الصافات : 1 ) إلى قوله : ( إن إلهكم لواحد ) ( الصافات : 4 ) فأرسلوه أخرى ، وقالوا بين لنا أفعاله فنزل : ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض ) ( يونس : 3 ) . الثاني : أنها نزلت بسبب سؤال اليهود ؟ روى عكرمة عن ابن عباس أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله ومعهم كعب بن الأشرف ، فقالوا : يا محمد هذا الله خلق الخلق ، فمن خلق الله ؟ فغضب نبي الله عليه السلام فنزل جبريل فسكنه ، وقال : اخفض جناحك يا محمد ، فنزل : ( قل هو الله أحد ) فلما تلاه عليهم قالوا : صف لنا ربك كيف عضده ، وكيف ذراعه ؟ فغضب أشد من غضبة الأول ، فأتاه جبريل بقوله : ( وما قدروا الله حق قدره ) ( الإنعام : 91 ) . الثالث أنها نزلت بسبب سؤال النصارى ، روى عطاء عن ابن عباس ، قال : قدم وفد نجران ، فقالوا : صف لنا ربك أمن زبرجد أو ياقوت ، أو ذهب ، أو فضة ؟ فقال : إن ربي ليس من شئ لأنه خالق الأشياء فنزلت - قل هو الله أحد ) قالوا : هو واحد ، وأنت واحد ، فقال : ليس كمثله شئ ، قالوا : زدنا من الصفة ، فقال : ( الله الصمد ) فقالوا : وما الصمد ؟ فقال : الذي يصمد إليه الخلق في الحوائج ، فقالوا : زدنا فنزل : ( لم يلد ) كما ولدت مريم ( ولم يولد ) كما ولد عيسى ( ولم يكن له كفوا أحد ) يريد نظيرا من خلقه ) . تفسير الرازي 32 / 161 .